محمد متولي الشعراوي

1554

تفسير الشعراوى

مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) ( سورة آل عمران ) إذن فعندما جاءت صفة تكذيبهم لما أعلنوه من إيمان سابق مقابل الميرة والكسوة فهم قد تركوا عهد اللّه وأخذوا الثمن القليل من الميرة والكسوة ، وكان ذلك خيبة كبرى فهم قد اشتروا الثمن ، والثمن مع ذلك قليل ، ولذلك يقول عنهم الحق : أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) ( سورة آل عمران ) وكلمة « أولئك » تدل على أن الصلة وهي « يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا » تلحق بهم كل من يتصف بهذه الصفات وتجعل له المصير نفسه . فهذه الآية وإن نزلت في هؤلاء الأشخاص الذين جرت منهم حادثة شراء الطعام والكسوة مقابل النكوص عن الإيمان برسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنها تشمل كل متصف بهذه الصفة وكل من كان على هذا اللون في أي عصر ، وفي أي دين من الأديان ، ويصفهم الحق سبحانه ب « أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ » . وكلمة « خلاق » وكلمة « خلق » وكلمة « خليقة » وكلمة « خلق » كلها تدور حول معنى يكاد يكون متقاربا ، فالخلق - بضم الخاء واللام - أن توجد صفة في الإنسان تغلب عليه حتى تصير ملكة . فيقال : « فلان عنده خلق الصدق » أو « فلان خلقه الكرم » ومعناه : أن فلانا الأول صار الصدق عنده ملكة ولا يتعب نفسه في أن يكون صادقا بل صار الصدق أمرا طبيعيا فيه ، وكذلك وصف فلان الثاني بالكرم أي أن الكرم صار ملكة وسجية عنده . وهذه الملكة في الأمور المعنوية تساوى الآلية في الأمور الحسية ؛ لأننا نعرف أن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى دربة ليكون الإنسان متميزا في أدائه ، وعلى سبيل المثال ، العامل الذي ينسج على آلة يحتاج إلى أن يتدرب على تحريك مكوك الخيط ، وأن يتعلم كيف يحرك المكوك بين خيوط النسيج ، وبعد ذلك يختلف الخيطان معا لتمسك